ما هي الحقيقة؟

الحقيقة هي طبيعة الأشياء. طبيعة الشيء تبين حقيقته. الشيء الغير طبيعي لا يمكن وصفه بالحقيقي...

أكاديمية عبد الله أوجلان للعلوم الاجتماعية

أنفكر جميعنا بالشيء نفسه بشأن الحقيقة؟ ما هو إدراكنا بشأن الحقيقة؟ هل يمكن أن يكون للحقيقة أكثر من تعريف؟ إن كان الأمر كذلك، أي إن كان للحقيقة عدة تعاريف، وإن تغير تعريف الحقيقة من شخص لآخر، أيمكن حينها البحث عن الحقيقة بحد ذاتها؟ لأن القائد آبو عرَّف الحقيقة على أنها الحقيقة المفهومة أي التي تم فهمها من قبل الجميع. وقال بأن الحقيقة هي الإدراك المشترك. ليستطيع الإنسان تعريف شيء ما بالحقيقة، يجب أن يُقيّْمْ و يُرى من الجميع بنفس الشكل والمعنى ( الإجماع على معناه). فإن قام كل واحد بتصويره ورؤيته وشرحه بمعنى آخر، وإن تغيرت حقيقته بحسب كل واحد، فإننا في ذلك الوقت لا يمكننا البحث عن وجود الحقيقة. لذلك، أيمكننا البحث عن تعددية الحقيقة أو الحقائق؟ ولكن إن قلنا بأن الحقيقة واحدة، ألا يصبح ذلك فرض للذات ( تلك الحقيقة) على الفوارق الموجودة؟ أو ألا يطور ذلك من الهيمنة الإيديولوجية؟ إذاً كيف سيكون وضع الفوارق والتنوعات الموجودة، بما سنشرح الاختلاف والتنوع في الفهم؟.

كل واحد يسعى ويرغب في الجوهر لإنشاء حقيقته. لأنه يرغب في إعطاء شكلٍ بحسب إدراكه للمجتمع والإنسان.  إذ كيفما يفهم ويدرك الإنسان، فإن اقترابه\ اقترابها من الحقيقة يكون بقدر إدراكه وفهمه. قام القائد آبو بنقد أسلوب الفهم المعتمد على الكونية بشكل مطلق، إلى جانب الأسلوب النسبي الزائد عن الحد في الفهم، ووضع على أساسه أسلوبه الجديد البعيد كل البعد عن هذين الأسلوبين.

مقاييس الحقيقة. 

إذاً، ما هي الحقيقة؟ يمكننا تعريف الحقيقة على أنها طبيعة الأشياء. طبيعة الشيء تبين حقيقته. فالشيء الغير طبيعي لا يمكن وصفه بالحقيقي. لكل شيء طبيعته، فللحيوان طبيعته وللنبات طبيعته. لا يمكن لأي وجود إدامة ذاته ووجوده بعيداً عن طبيعته. فالموجود المبتعد أو المغترب عن طبيعته سيواجه الفناء والانتهاء لا محال. الابتعاد عن طبيعة الشيء يؤدي إلى زوال وفناء ذلك الشيء. طبيعة الشيء( حقيقته) ضرورة حتمية لأجل الحياة. هذا المقياس ساري لأجل الإنسان أيضاً. لذا فقد بحث وشدد القائد آبو على طبيعة المجتمع وطبيعة الإنسان.

طبيعة المجتمع، طبيعة الإنسان تعبر عن حقيقة المجتمع والإنسان في الوقت نفسه. وهو ما يساعدنا على القيام بتعريف الحقيقة. نستطيع القيام بالدفاع عن مفهومنا وإدراكنا بشأن الحقيقة تجاه الرأسماليين، والليبراليين، والوضعيين، والأنانيين... الخ. يمكننا مقارنة حقيقتهم وطبيعة المجتمع والإنسان، وإثبات مدى انحرافهم وعدم أحقيتهم بشأن طبيعة المجتمع والإنسان والحياة بأكملها. بيد أن القائد قد بين بأن " البحث عن الحقيقة خارج المجتمع الأخلاقي والسياسي هو هباءٌ". وعلى أساسه فإننا نعرف النظام الهرمي والدولتي على أنه النظام المنحرف أو المضادّ. أي أنه منحرف عن طبيعة المجتمع ومضادّ له.

تُرى أو يتم تناول التثبيتات والتقييمات التي نجريها بشأن الحقيقة وكأنها تثبيتات وتقييمات مطلقة. ولكن عندما يتناول الإنسان هذه التثبيتات ضمن إطار طبيعة ( حقيقة) الأشياء، يمكنه حينها الوصول إلى الحقيقة. يعني ما هو الشيء الذي يمكننا وصفه بالجميل، أو الحسن، أو الصائب.... ودواليك، كيف سنصل إلى هذه المقاييس، يمكننا رؤية أجوبة هذه الأسئلة ضمن طبيعة المجتمع والإنسان. وطبيعة المجتمع والإنسان وفق ما ندركه هي الكومون ( الكومينالية)، وخميرته هو الأخلاق والسياسة. الأخلاق والسياسة هامين وشيئان أساسيين بالنسبة للإنسان في المجتمع الطبيعي ( الكومينالي)، وستستمر الأخلاق والسياسة بوجودهما طالما يحيا الإنسان. وجود المجتمع مرتبط بوجود الأخلاق والسياسية، ووجود الإنسان مرتبط بالمجتمع ( المجتمع الأخلاقي والسياسي)، وعكس ذلك سيؤول بالإنسانية إلى الفناء. لذلك فإن حقيقة الإنسان هي الأخلاق والسياسة. الأخلاق والسياسة هي مقياس لنا لفهم ما إذا كان الإنسان أو المجتمع يمثلان حقيقتهما أم لا.

الحقيقة كلٌ مُتكامل

الميزة الأخرى للحقيقة هي كونها كلٌ مُتكامل. سيرى المجتمع والإنسان بأن الحقيقة كلٌ مُتكامل إذا ما انقطعا عن حقيقتهما وتحركا بحسب طبيعتهما. ولكن النظام الهرمي الدولتي قام بتقسيم وتجزئة هذه الحقيقة المتكاملة على أساس ثلاث أسس.

أولاً: قام بخلق التجزئة فيما بين الإنسان و الطبيعة.

ثانياً: قام بخلق التجزئة فيما بين الرجل و المرأة.

ثالثاً: قام بخلق التجزئة ضمن المجتمع بشكل عام.  

المُقام في هذه الأسس الثلاث هو جعل الأول حاكم والثاني محكوم، تقوية الأول وإضعاف الثاني، وضع الأول مكان الفاعل والثاني مكان المفعول به...الخ.

وعلى أساسه فإن القضايا تبدأ واحدة تلو الأخرى بحيث نرى بأن التجزئة المفروضة فيما بين الإنسان والطبيعة خلقت القضايا الايكولوجية، والتجزئة القائمة فيما بين الرجل والمرأة خلقت القضايا الجنسوية، والتجزئة القائمة فيما بين المجتمع ذاته خلقت القضايا الديمقراطية. لذا فأن براديغمانا منشأة على أساس رفع هذه التجزئة والقضايا من الوسط. بحيث الهدف من الديمقراطية هو رفع التجزئة المجسدة ضمن المجتمع، والهدف من الايكولوجية هو رفع التجزئة القائمة فيما بين الإنسان والطبيعة، أما تحرير الأجناس أو الجنسية ( المرأة والرجل) فيهدف إلى رفع التجزئة وحل القضايا المنشأة نتيجة تلك التجزئة فيما بين الرجل والمرأة.

لا يمكننا ملاحظة هذه التجزئة في المجتمع الطبيعي بأي شكل من الأشكال، على العكس من ذلك فإننا نرى بأن كل هذه الثنائيات المذكورة أعلاه هي كل متكامل في المجتمع الطبيعي. لأجل ذلك ندعو المجتمع الطبيعي بأنه منبع الحقيقة. إذ لا يوجد أية قضايا لا القضايا الديمقراطية ولا القضايا الايكولوجية ولا القضايا الجنسوية في ذلك المجتمع. بالتالي فإنه كان مجتمع يعيش الحقيقة ككُلٍ متكامل.

استمر تكامل ووحدة الحقيقة هذا كعرفٍ بعد نشوء النظام الهرمي والدولتي أيضاً وذلك في شخصية العظماء والحكماء والفلاسفة الذين بذلوا جهود حثيثة على درب الوصول للحقيقة. وأمثلة " أنا الحق، النيرفانا، fenafîlah، أنا أنا، أنا الكون، أنا السماء والمكان الذي لا بداية له ولا نهاية، لا يوجد بعيده ولا قريبه" ما هي إلا إدراكات مؤدية للحقيقة. إذ أن الوجود كلٌ متكامل في إدراكات الحقيقة هذه، وهي بعيدة كل البعد عن ذهنية النظام الهرمي السلطوي الرجولي المؤدي إلى تجزئة الوجود. فلا يرى أي أحد ذاته خارج هذا الوجود والكون. بل يوحد الجميع فيما بين ذاته والكون ( الله ). ولا يقوم أي أحد بالتمييز فيما بين الوجود. فهذا هو عرفٌ ومنبع هذا العرف هو المجتمع الطبيعي. كل ذلك يثبت لنا ما يلي : "أن الماضي هو أصح وأصوب بل ويمثل الحقيقة"، و"الماضي هو المجتمع الطبيعي". يجسد هذا المجتمع ذاته في شخصية الحلاج منصور، وفي موقف برونو، وفي المفهوم التصوفي بشكل عام.

والعلم يؤكد ويثبت في يومنا الراهن بأن الحقيقة هي كلٌ متكامل. أي أننا نرى ذلك في فيزياء الكوانتوم الذي يمثل ذروة العلم في يومنا الراهن. فقد أثبت مع الكوانتوم مدى كون المجتمع الطبيعي يمثل الحقيقة المتكاملة. البحث الذي يتم باسم العلم عن الحقيقة يثبت أحقية أسلوب وطراز الحياة المعاشة قديماً ( طراز حياة المجتمع الطبيعي). لذلك لا يمكن لنا القول بأن الكوانتوم قد أنشاً إدراكات جديدة. الكوانتوم لا يخلق الحقيقة، بل يبحث عن الحقيقة. لأن الحقيقة موجودة سواء بوجود الكوانتوم أو بعدم وجوده. يعني يمكننا تناول الكوانتوم كطريقة أو وسيلة للوصول إلى الحقيقة. ما يتم تبيانه باسم العلم الآن هو أن الماضي أكثر صواباً. ونظرة المجتمع الطبيعي هي أكثر صواباً. يمكننا إعطاء مثال فيلم آفاطار (Avatar) في هذا الموضوع. لكي يتمكن الإنسان الاستفادة من الطبيعة يتطلب أن يعرف ويفهم لغة الطبيعة بشكل جيد. وهو ما يدل مرة أخرى على أن الحقيقة كلٌ متكامل. المبدأ الأساسي بحسب الكوانتوم على حد تعبير شرودينكر (Scrödinger) هو مبدأ الوحدة الأساسية أو البنيوية. يبين هذا المبدأ بأن كل شيء موجود في الكون رغم تعدديته وتنوعه مرتبطٌ ببعضه البعض ويؤثر على بعضه الآخر بشكل لا يوصف. كل الأجزاء هي جزء في الوحدة أو الواحد. الكون أيضاً واحدٌ رغم غناه وتنوعه. أو لنقل بأنه يوجد ضمن هذه الواحدة أو الواحدة غنىً وتنوعٌ لا يمكن وصفه. يقولون بأن "كل شيء مولود أو هو طفل الطاقة"، وبأن " منبع كل شيء واحد ". لذلك أي ما دام منبع كل شيء واحد فإن كل شيء سيؤثر على بعضه البعض مؤكداً. جميع المكونات على علاقة فيما بينها.

لقد تم القيام بالعديد من التجارب بهذا الشأن. فقد قاموا بإحضار ألكترونين من منبع واحد، ومن ثم بعثوا بإلكترون إلى جنوب الكون والإلكترون الثاني إلى شمال الكون، يقومون بمداخلة واحد من هذين الإلكترونين، فيجدون بأن الإلكترون الآخر قد شعر بنفس الشيء الذي شعر به الإلكترون الذي تمت مداخلته وأجريت عليه التجربة وذلك من دون أن يتم مداخلته. أي إن الإلكترون الذي لم يتعرض للتجربة بيًّن نفس ردود الفعل التي أظهرها الإلكترون المتعرض للتجربة. والسبب في ذلك هو وحدة المنبع. ما تم استنتاجه، إن استطاع الإلكترونين إظهار الرد فعل ذاته وتمكنا من إحساس بعضهما، فإن كل ما في الكون من وجود يمكنه إحساس الآخر أيضاً. لأن منبع الكون أيضاً هو واحد، إذ كل شيء هو طفل الطاقة وكل شيء مرتبط بعضه ببعض. وبما أنه بالإمكان رؤية كافة مزايا هذا الكون في الإنسان، أو بالأحرى فإن الكون يعبر عن ذاته من خلال الإنسان. إذاً فإن الإنسان يمكن أن يبين بأن لغة الحقيقة هي كلٌ متكامل. حقيقة جميع ما في الوجود هي في جوهرها واحدة. وكل شيء مرتبط ببعض في الجوهر.

النظام الهرمي والدولي هو من قام برفع هذه الوحدة من الوسط وعمل على خلق التجزئة فيما بين الوجود. لكي يقوم هذا النظام بترسيخ وشرعنة نظامه قام بتجزئة كل شيء وقطعه عن بعضه، فقد جزء بين المرأة والرجل، بين الفرد والمجتمع، الإنسان والطبيعة، المادة والروح، الإحساس والفكر، المعنى والمؤسسة... وما دوليك. ولكن كل هذه الأمور التي تم تجزئتها هي في حقيقتها كلٌ متكامل لا يمكن قطعهما عن بعضهما البعض. كل تجزئة وقطع يتم على هذا الأساس هو في حقيقته إبادة. حقيقة الوجود هي كلٌ متكامل. إذ كل هذه الأمور يمكن لها أن تتواجد بوجود الأخرى. محال أن يديم الكون ذاته بلغة التجزئة والقطع هذه. فما يتطلب للوجود هو التكامل بكل معنى الكلمة.